الأربعاء، 18 فبراير 2026

07:48 م

بين المضاربة وتحول سلوك الادخار، المصريون ينفقون 7 مليارات دولار للهروب الآمن نحو الذهب

الأربعاء، 18 فبراير 2026 04:00 م

الذهب

الذهب

في لحظة اقتصادية فارقة، ضخ المصريون نحو 7 مليارات دولار في الذهب خلال عام واحد، عبر مشتريات بلغت 45 طناً من سبائك وعملات ومشغولات. 

هذا الرقم الضخم لا يعكس مجرد شغف تقليدي بالمعدن الأصفر، بل يكشف تحولًا جذريًا في سلوك الادخار والاستثمار داخل الاقتصاد المصري، مدفوعًا بتغير خريطة العوائد، تقلبات الأسواق، وإعادة تسعير المخاطر.

المشهد لا يمكن قراءته باعتباره طفرة استهلاكية عابرة، بل هو انعكاس مباشر لتحول السيولة من وعاء ادخاري إلى آخر، فمع انتهاء شهادات الادخار ذات العائد المرتفع (27%) وتراجع أسعار الفائدة، وجد جزء كبير من المدخرين أنفسهم أمام سؤال جوهري: أين تذهب السيولة الآن؟ الإجابة جاءت سريعاً من السوق: إلى الذهب.

سيولة تبحث عن ملاذ

عندما فقدت الشهادات جاذبيتها الاستثنائية، تحررت كتلة نقدية ضخمة كانت تدور داخل النظام المصرفي، وفي الأوضاع الطبيعية، قد تتوزع هذه السيولة بين العقارات، والبورصة، أو حتى الودائع التقليدية، لكن السياق الاقتصادي الراهن أعاد ترتيب الأولويات.

ورغم مكانة العقار التاريخية كملاذ آمن، إلا أنه يواجه تحديات تتعلق بارتفاع الأسعار، وضعف السيولة، وطول دورة الاستثمار، أما البورصة فتظل رهينة التقلبات وثقة المستثمرين، وفي المقابل، يقدم الذهب ثلاث مزايا حاسمة هي سيولة فورية، وسهولة التخزين، وإمكانية البيع السريع دون تعقيدات إجرائية.

لذلك لم يكن مفاجئاً أن تقفز مشتريات السبائك والعملات إلى 26.1 طناً في 2025، مع ارتفاع حاد في يناير وحده بنسبة 60%، وهو ما يعكس انتقالاً واضحاً من ادخار بفائدة مضمونة إلى استثمار بقيمة متحركة.

بين المضاربة والتحوط

ولم يكن كل من اشترى الذهب بدافع الادخار طويل الأجل فقط، حيث كان الواقع أكثر تعقيداً، وشهد السوق تداخلاً بين 3 فئات رئيسية:

1. أرباح قصيرة الأجل: راهن بعض المضاربين على تحقيق أرباح سريعة تتراوح بين 20 و30% خلال أشهر قليلة، مستفيدين من موجات الصعود المتسارعة.

2. المدخرون التقليديون: اشتروا الذهب كبديل للشهادات، بهدف الحفاظ على القوة الشرائية.

3. المتحوطون ضد المخاطر: نظروا إلى الذهب كدرع ضد تقلبات العملة والتوترات الجيوسياسية العالمية.

اللافت أن الفئة الأولى التي مثلت المضاربات قصيرة الأجل، شكلت نسبة كبيرة من المتعاملين، خصوصاً مع انتشار السبائك منخفضة المصنعية، التي تقلص تكلفة الدخول والخروج من السوق، وهو عزز زخم الشراء، لكنه في الوقت نفسه رفع درجة الحساسية لأي تصحيح سعري مفاجئ.

ارتفاع الأسعار لا يردع الطلب

رغم وصول الأونصة عالمياً إلى مستويات قياسية تقارب 5000 دولار، وتجاوز جرام عيار 24 حاجز 7660 جنيهاً، لم يتراجع الطلب المحلي، وهنا تظهر مفارقة اقتصادية مهمة وهي ارتفاع السعر لم يؤدي إلى كبح الاستهلاك، بل عزز القناعة باستمرار الصعود.

هذا النمط يعرف في الاقتصاد السلوكي بـ”تأثير الزخم”، حيث يدفع الارتفاع المستمر مزيداً من المشترين للدخول خوفاً من فوات الفرصة، لكن هذا السلوك يحمل في طياته مخاطر تضخيم الفجوات السعرية، خصوصاً في سوق تتسم بتركيز العرض.

فجوة المحلي والعالمي

من أبرز الظواهر التي رافقت موجة الصعود ظهور فجوة بين السعر المحلي والعالمي، وصلت في بعض الفترات إلى أكثر من 400 جنيه للجرام، قبل أن تتقلص تدريجياً.

هذه الفجوة لا ترتبط فقط بسعر الصرف أو تكاليف الاستيراد، بل أيضاً ببنية السوق المحلية، فالتسعير في مصر يتأثر بدور تجار الخام، الذين يحددون عروضهم اليومية وفق اعتبارات تجارية ومخزون متاح وتوقعات مستقبلية. 

وفي أوقات الطلب المكثف، يصبح السعر المحلي أقل استجابة للهبوط العالمي، لأن البائعين لا يندفعون لتخفيض الأسعار بسرعة في ظل استمرار الإقبال، وهو ما يفسر ظاهرة “فرملة التراجع”، حيث توزعت الخسائر على مدى زمني أطول بدلاً من انعكاسها فوراً كما حدث في الأسواق العالمية.

حقيقة نقص إنتاج الذهب

رغم شكاوى الانتظار التي وصلت إلى أسبوعين أو أكثر للحصول على سبائك، فإن الأزمة لم تكن في الخام بقدر ما كانت في الطاقة الإنتاجية، وعندما يتضاعف الطلب فجأة، تصطدم المصانع بحدود قدرتها اليومية، مصنع ينتج 30 كيلوجراماً يومياً لا يستطيع تلبية طلب يبلغ 60 كيلوجراماً دون تراكم.

هذا النوع من الاختناقات الإنتاجية يخلق انطباعاً بوجود ندرة، حتى لو كان الخام متوافراً نظرياً، وهو ما يعزز السلوك النفسي القائم على التخزين والشراء الاستباقي.

المقارنة بين الذهب والعقار

المقارنة بين الذهب والعقار باتت أكثر حضوراً، خاصة أن الذهب يتميز بسيولة أعلى ومرونة في البيع الجزئي، بينما يتطلب العقار رأس مال أكبر وزمناً أطول للتسييل، وفي بيئة اقتصادية تتسم بعدم اليقين، يميل المستثمرون إلى الأصول القابلة للتحويل السريع إلى نقد.

لكن على المدى الطويل، يظل العقار مرتبطاً بقيمة استخدامية وإنتاجية، في حين يبقى الذهب أصلاً غير مولد للدخل، لذلك فإن التحول الحالي قد يكون تكتيكياً أكثر منه استراتيجياً دائماً.

دور الاحتياطيات والثقة

بلوغ احتياطيات الذهب في مصر 20.7 مليار دولار بنهاية يناير يعزز الثقة في المعدن كأصل استراتيجي، سواء على مستوى الدولة أو الأفراد، فارتفاع احتياطي الذهب عالمياً غالباً ما يفسر كمؤشر على رغبة البنوك المركزية في تنويع الأصول بعيداً عن العملات.

هذه الرسائل غير المباشرة تغذي قناعة المستثمر المحلي بأن الذهب ليس مجرد أداة مضاربة، بل ركيزة استقرار في أوقات الاضطراب.

الفضة النسخة الأكثر تقلباً

الفضة سارت في مسار مشابه، لكنها أكثر حساسية، وارتفاعها بنسبة 75% خلال عام واحد أغرى شريحة جديدة من المستثمرين، إلا أن الفجوة السعرية فيها أكبر، نتيجة محدودية الإنتاج ونقص الخام، وهو ما يجعلها أكثر عرضة لتقلبات حادة، سواء صعوداً أو هبوطاً، ما رفع مستوى المخاطرة مقارنة بالذهب.

وطرح البعض تساؤلًا جوهريًا هو “هل تمثل هذه الموجة فقاعة سعرية؟”، والإجابة كانت تعتمد على عدة عوامل:

    •    استمرار التوترات الجيوسياسية العالمية.
    •    اتجاهات الفائدة الأمريكية.
    •    حركة الدولار.
    •    استقرار سعر الصرف المحلي.
    •    قدرة السوق على امتصاص موجات البيع إذا حدث تصحيح.

تحول في الثقافة المالية للمصريين

بعيداً عن الأرقام، تكشف موجة الـ7 مليارات دولار عن تطور في الثقافة الاستثمارية، ولم يعد الذهب مقتصراً على الادخار التقليدي أو المناسبات الاجتماعية، بل أصبح أداة لإدارة المحافظ الصغيرة، والتحوط، والمضاربة المدروسة.

هذا التحول يعكس تزايد وعي الأفراد بأهمية تنويع الأصول، لكنه في الوقت ذاته يضع السوق أمام تحدي الشفافية والتنظيم، خصوصاً في ما يتعلق بآليات التسعير وفجوات الأسعار.

ما تشهده مصر ليس مجرد جنون ذهب، بل إعادة تموضع للسيولة في لحظة إعادة تسعير شاملة للمخاطر والعوائد، وضخ 7 مليارات دولار في عام واحد يعبر عن بحث جماعي عن الأمان في بيئة متقلبة.

لكن الذهب، مهما كان بريقه، يظل أصلاً يتأرجح مع الرياح العالمية، وبين التحوط والمضاربة، تبقى الحكمة في التوازن، لا في الاندفاع.

اقرأ أيضًا:

سيطرة السبائك مقابل المشغولات تعيد تشكيل صناعة الذهب في مصر، خبراء توضح لـ«إيجي إن»

Short Url

search