الأربعاء، 11 فبراير 2026

04:55 م

جنون المعادن، النحاس ينافس الذهب على «الاستثمار الآمن»

الأربعاء، 11 فبراير 2026 03:12 م

أسعار الذهب

أسعار الذهب

ميرنا البكري

لم يعد الارتفاع الكبير في أسعار الذهب مجرد تذبذب في سوق المعادن النفيسة، بل يعتبر تغييرا جذريا في عقلية الحكومات والمستثمرين، فقد تخطى الذهب دوره التقليدي كسلعة استثمارية، وتحول لأداة تأمين ضد المخاطر تحديدًا الجيوسياسية والمالية.

صدمات الإمداد غيرت قواعد اللعبة

بعد أزمة سلاسل التوريد في 2020، ثم صدمات الغذاء والطاقة في 2022، أكدت الحكومات على تأمين المواد الحيوية، وعدم الاعتماد على السوق العالمي بمفرده، فبدأت الإجراءات تتصاعد من رسوم جمركية وقيود على الصادرات ودعم الإنتاج المحلي بالإضافة إلى المخزونات الاستراتيجية ونتج عن ذلك أن الأسواق أصبحت أكثر تجزئة بدلًا من أن تكون موحدة، وأيضًا الأسعار أصبحت حساسة للغاية تجاه أي صدمة.

ارتفاع جديد في أسعار الذهب في مصر اليوم الخميس29 يناير 2026.. عيار 21 يسجل  7330 جنيهًا - سويفت نيوز
الذهب

النحاس مثال واضح على "التكديس" 

يعتبر النحاس مثالا قويا على هذا الاتجاه رغم توقعات بوجود فائض عالمي في 2025، فارتفعت الأسعار، نظرًا لتخزين أمريكا كميات كبيرة، سُحبت من السوق الدولي، ما أدى إلى ضغط على الأسعار في باقية الدول، وببساطة لم تعد الأسواق تتحدد فقط بالعرض والطلب، لكن أيضًا بسياسات الدول.

من الذهب للنحاس، تحول المستثمرين نحو الأصول المادية

لم يعد الطلب التأميني حكرًا على البنوك المركزية والحكومات فقط، لكنه امتد أيضًا للمستثمرين الذين تبنوا نفس العقلية وهي (الأصل المادي يعتبر أمانا)، ولم يقف هذا التحول الاستراتيجي عند الذهب، لكنه أيضًا وصل للمعادن الصناعية وعلى رأسها النحاس، باعتبارها أصول ملموسة تحمي القيمة، ونتج عن هذا الاتجاه تدفقات سيولة استثمارية ضخمة وجديدة نحو هذه الأسواق، ما دعم الأسعار بقوة، لكن في نفس الوقت زادت حدة التقلبات السعرية في السوق.

على عكس السلع التقليدية التي يرتبط فيها زيادة الإنتاج بتراجع الأسعار، يخلق اندفاع الدول لتعزيز الإنتاج تخزين كميات كبيرة من النحاس، ما يخلق معضلة هيكلية، لأن هذا التوجه غالبًا يخلق فائضا في المعروض، ما يضغط على الأسعار نزولًا، ويدفع المنتجين الصغار للخروج من السوق لأنهم غير قادرين على المنافسة، ما يجعل السوق يتركز في يد عدد محدود من كبار المنتجين، ما يجعله بدوره أكثر هشاشة وعرضة لأي صدمات مستقبلية.

"الذهب"، استقرار المعروض يطيل صعود الأسعار

يختلف الذهب عن باقية السلع بشكل جوهري، لأن أغلب الذهب الذي تم إنتاجه على مدار التاريخ لايزال موجودا فوق الأرض، والمعروض السنوي منه ثابت وبطيء الاستجابة لتحركات الأسعار، وحتى في حال ارتفاع الأسعار، فلا يستطيع الإنتاج أن يتزايد بسرعة وبكمية كافية لموازنة السوق، ما يجعل الطلب التأميني يستمر في دفع الأسعار نحو الأعلى لفترة أطول، أي يمكن القول أن الذهب ليس سلعة تتأثر بسرعة بزيادة الإنتاج، وهو ما يجعله أداة تأمين قوية في أوقات عدم الاستقرار.

السلع في عصر التأمين

يتضح أن ارتفاع أسعار الذهب والمعادن الأخرى ليست تقلبات عابرة بل يعكس تحولا حقيقيا في سلوك المستثمرين وصناع السياسات، أي أن الجميع يتجه لاستراتيجية التأمين والاعتماد على الأصول المادية كملاذ آمن في ظل الأوضاع الجيوسياسية والاقتصادية المتقلبة.

ما يوضح أيضًا تأثير السياسات الحكومية على هيكلة أسواق السلع وتوجيه مسارات العرض والطلب، وبما أن هذا الاتجاه مستمر، فمن المتوقع أن تظل أسعار السلع تتذبذب وتتحرك بشكل قوي في المستقبل، وبالتالي من الضروري متابعة التطورات بحذر وبناء قرارات استثمارية على فهم عميق لهذه المحركات.

Short Url

search