انسحاب أمريكي وضغوط اقتصادية، تراجع التمويل الصحي 21% يضع الاقتصاد العالمي أمام اختبار صمود بـ2026
الثلاثاء، 03 فبراير 2026 07:59 م
التمويل الصحي العالمي 2026
ميرنا البكري
شهد الإنفاق الصحي العالمي تحولًا مقلقًا، بعد تقرير حديث لمعهد القياسات الصحية والتقييم (IHME)، أظهر أن التمويل الصحي يشهد انكماشًا تاريخيًا، حيث انخفضت المساعدات الإنمائية المخصصة للصحة بنسبة 21% بين 2024 و2025، من 49.6 مليار دولار إلى 39.1 مليار دولار، في أكبر تراجع منذ عقود.
ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى عام 2030، ليصل التمويل إلى نحو 36.2 مليار دولار، مع تأثيرات مباشرة على الدول منخفضة ومتوسطة الدخل.
لم يأتي هذا الانخفاض بمفرده، لكنه حدث في نفس الوقت مع تصاعد الضغوط الاقتصادية العالمية، وارتفاع الدين العام في الدول المانحة، وتحول الاهتمام السياسي أكثر للقضايا الداخلية.
من منظور اقتصادي، تراجع التمويل الصحي يؤدي بشكل مباشر لتقليص الاستثمارات الوقائية والعلاجية في الدول منخفضة ومتوسطة الدخل، مما يؤثر سلبًا على إنتاجية القوى العاملة على المدى الطويل، ويزود تكاليف الرعاية الصحية الطارئة في المستقبل، بمعنى أبسط كل دولار يتم سحبه اليوم من الوقاية الصحية، قد يتحول غدًا لعبء مالي أكبر.

تصدع التمويل العالمي، التحدي الجديد في 2026
أحد أهم أسباب هذا التراجع هو الانسحاب الجزئي للولايات المتحدة من تمويل الصحة العالمية، فتشير تقديرات IHME أن الحكومة الأمريكية خفضت مساهماتها في 2025 بنسبة 67%، بما يزيد على 9 مليارات دولار، ولم يقلل هذا التخفيض حجم التمويل الكلي فقط، لكنه أيضًا خلخل توازن منظومة التمويل العالمية بحكم الدور المحوري التي كانت تلعبه الولايات المتحدة في دعم البرامج متعددة الأطراف.
هذا الأمر انعكس مباشرةً على برامج مكافحة الأمراض المعدية، مثل فيروس نقص المناعة البشرية الإيدز، والذي كان التمويل المستدام سببًا رئيسيًا في خفض معدلات الوفيات والإصابة، وبالتالي تقليص التمويل يرفع مخاطر أن المكاسب الصحية التي تحققت منذ 2003 تتناقص مع احتمال عودة الأوبئة بتكلفة إنسانية واقتصادية أعلى.
في المقابل، ثبات أو الزيادات المحدودة في مساهمات دول مثل أستراليا واليابان يعكس توجهًا أكثر تحفظًا، لكنه غير كافي لسداد الفجوة الكبيرة، فالزيادات التي وصلت لـ 2.6% من أستراليا و2.2% من اليابان، رغم أهميتها الرمزية، تظل محدودة مقارنةً بحجم الانسحاب الأمريكي، ويشير هذا التباين اقتصاديًا إلى تدريجي من نموذج تمويل جماعي قائم على كبار المانحين، لنموذج أكثر تجزؤًا، مما قد يضعف التنسيق الدولي ويقلل كفاءة توزيع الموارد.
تداعيات تراجع التمويل الصحي على دول إفريقيا جنوب الصحراء
على المستوى الإقليمي، توضح الأرقام أن دول إفريقيا جنوب الصحراء هي الأكثر تضررًا من هذا التراجع خاصةً في شرق ووسط وجنوب وغرب القارة، ويتضح من التقديرات أن دول مثل مالاوي وغامبيا وليسوتو وموزمبيق ستواجه انخفاضات حادة في الإنفاق الصحي، فالتأثير هنا متعدد المستويات فعلى المدى القصير، نقص التمويل سيقلل الخدمات الصحية الأساسية، وعلى المدى المتوسط والطويل، قد تحدث ارتفاعات في معدلات المرض والوفيات، وانخفاض في إنتاجية العمل وضغط أكبر على موازنات عامة ضعيفة.
أيضًا كانت المنظمات غير الحكومية ووكالات الأمم المتحدة العاملة في المجال الصحي من أكثر الجهات التي تأثرت بتخفيضات التمويل، فهذا لتراجع قلل قدرتها على تنفيذ البرامج الميدانية، وأثر على سلاسل الإمداد الطبية، وأخر حملات التطعيم، وخفض الاستثمارات في بناء القدرات المحلية، ومن زاوية اقتصادية، ضعف دور هذه الجهات يقلل من أهم قنوات وصول التمويل للمجتمعات الأكثر هشاشة، ويوسع فجوة عدم المساواة الصحية بين الدول والمناطق.
في المقابل، الاستقرار النسبي في تمويل مؤسسة بيل وميليندا جيتس، والبنك الدولي، والبنوك الإنمائية الإقليمية، يمثل عامل توازن جزئي، لكنه غير كافي بمفرده، بالفعل هذه الجهات لها دورًا هامًا في تمويل البرامج طويلة الأجل وتعزيز النظم الصحية، لكن قدرتها على سد الفجوة مرهونة باستعدادها لتحمل مخاطر أكبر وقدرتها على جذب موارد إضافية من القطاع الخاص، وهذا لايزال نطاقه محدودًا.

فجوة التمويل الصحي تتسع، عدم المساواة الصحية تتحول إلى أزمة اقتصادية متصاعدة
تتضح فجوة التمويل بشكل أوضح حينما نقارن بين مستويات الإنفاق الصحي في الدول مرتفعة الدخل والدول منخفضة الدخل، ففي 2025، وصل الإنفاق الصحي في الدول الغنية لنحو 299 ضعف الإنفاق في الدول منخفضة الدخل.
وتشير توقعات IHME أن هذه الفجوة مرشحة للتوسع خلال الـ5 سنوات المقبلة، ما يشير إلى أن عدم المساواة الصحية سيصبح عامل أساسي يعمق عدم المساواة الاقتصادية، لأن الصحة مرتبطة بشكل مباشر بالنمو، والتعليم، والاستقرار الاجتماعي.
كما يتضح أن تراجع التمويل الصحي ليس أزمة قطاعية منفصلة، لكنه جزء من سلسلة مخاطر اقتصادية عالمية أوسع، فانخفاض الإنفاق الصحي يضعف رأس المال البشري، مما يقلل قدرة الاقتصادات النامية على التعافي والنمو، ويزود اعتمادها على المساعدات الخارجية في المستقبل، في حلقة مفرغة صعب كسرها دون تدخل منسق.
ومع النظر للتوقعات حتى 2030، من المرجح أن يدخل قطاع الصحة العالمي مرحلة إعادة هيكلة، يتحول بها التركيز من التوسع السريع إلى الكفاءة والاستهداف الدقيق للموارد، ومع استمرار انخفاض التمويل، الأولوية ستكون للبرامج التي لها أعلى عائد اقتصادي واجتماعي كالوقاية، والرعاية الصحية الأولية، وتعزيز الأنظمة الصحية المحلية، وفي غياب تحول استراتيجي حقيقي في نماذج التمويل، تظل مخاطر التراجع في المؤشرات الصحية قائمة، ومعها تكاليف اقتصادية وإنسانية طويلة الأجل.
اقرأ أيضًا:
الولايات المتحدة ترفض تعديلات اللوائح الصحية الدولية لمنظمة الصحة العالمية
لماذا تطالب «الصحة العالمية» بزيادة الضرائب على منتجات التبغ والكحول؟
Short Url
83 مليار دولار وسوق يتغير، تحولات رقمية تعيد رسم تمويل التجارة حتى 2031
01 فبراير 2026 09:44 ص
من التحديث العسكري إلى الابتكار الدفاعي.. مستقبل أنظمة الحماية النشطة في المملكة
29 يناير 2026 02:00 م
بعد عشر سنوات من اتفاقية باريس.. التقدم أبطأ من الوصول إلى مسار 1.5 درجة مئوية
29 يناير 2026 12:00 م
أكثر الكلمات انتشاراً