بين مطرقة السياسة وسندان ضعف الطلب، قراءة في الأداء اللوجستي العالمي 2025
السبت، 31 يناير 2026 10:48 م
أداء قطاع اللوجستيات 2025
ميرنا البكري
شهد قطاع اللوجستيات العالمي، خلال عام 2025، تحوّلًا حادًا في مساره بشكل عام، فبعد ذروة مؤقتة في النصف الأول من العام الماضي، مدفوعة بإجراءات جمركية وتوترات سياسية، دخل السوق في مرحلة تصحيح سريعة وقوية في النصف الثاني، فلم يكن هذا التحول نتيجة عامل واحد، بل نتاج تداخل ضعف الطلب الحقيقي مع فائض الطاقة الاستيعابية في بيئة عالمية يسودها عدم اليقين.

الاقتصاد العالمي، نمو ضعيف وضغط مباشر على الطلب
كان الأداء الاقتصادي العالمي أحد أهم العوامل الضاغطة على قطاع الشحن، فقد تم خفض توقعات نمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي إلى نحو 2.9%، ما يعكس تباطؤًا واضحًا في الاستهلاك والإنتاج، ما يترجم عمليًا إلى شحن أقل وحركة بضائع أهدى، وقرارات شراء أكثر حذرًا من جانب الشركات.
في أوروبا، جاء التعافي ضعيفًا ومحدود التأثير رغم استقرار التضخم عند 2% وبدء تخفيض أسعار الفائدة، أما الولايات المتحدة فرغم استمرار قوة الاستهلاك الخاص إلا أن السياسات الحمائية والتوسع في فرض الرسوم الجمركية، خلقت حالة من الترقب، وأضعفت شهية الاستيراد على المدى المتوسط.
الجغرافيا السياسية، حينما تتحول السياسة إلى أساس السوق
في 2025 لم تعد قوى العرض والطلب بمفردها تحرك السوق، لكن تحولت السياسة إلى لاعب رئيسي، فالتوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين فرضت نمطًا جديدًا من التقلبات قائم على المواعيد النهائية والقرارات السياسية أكثر من أساسيات السوق، فكل إعلان عن رسوم جديدة كان يخلق موجة شحن استباقي يعقبها هدوء حاد بمجرد انتهاء المهلة، والنتيجة كانت سوق يتحرك بشكل متقطع، وبالتالي يصعب التنبؤ به أو التخطيط له على المدى الطويل مما زود مخاطر إدارة سلاسل الإمداد.
الشحن البحري، انتقال واضح إلى سوق المشترين
اتضح أن الشحن البحري أكثر القطاعات تأثرًا بهذا التصحيح، فمع اختفاء الطلب المصطنع في النصف الثاني من العام، تحول السوق بشكل واضح من سوق يفضل شركات النقل إلى سوق يخدم الشاحنين، كما تراجعت الأسعار الفورية على خطوط التجارة الرئيسية بين الشرق والغرب إلى مستويات ما قبل أزمة البحر الأحمر، وفي بعض الحالات أقل من ذلك.
السبب الرئيسي لم يكن فقط ضعف الطلب، بل أيضًا دخول أعداد كبيرة من السفن الجديدة إلى الخدمة، خلق هذا الفائض الهيكلي في الطاقة الاستيعابية ضغطًا مستمرًا على الأسعار، وأجبر شركات النقل على البحث عن حلول غير تقليدية للحفاظ على توازن السوق.
إدارة السعة، وفرة على الورق ونُدرة في الواقع
لمواجهة فائض السعة، لجأت شركات الشحن البحري إلى إلغاء الرحلات وتقليص الخدمات بشكل متزايد، فساعدت هذه الخطوة في الحد من الانخفاض الحاد للأسعار، لكنها في المقابل أثرت سلبًا على موثوقية الجداول الزمنية، بمعنى آخر السفن موجودة، لكن المواعيد المتاحة أصبحت أقل وأصعب في التنبؤ ما جعل التخطيط اللوجستي أكثر تعقيدًا، خاصةً للشركات التي تعتمد على الشحن المنتظم وسلاسل توريد دقيقة التوقيت.
الشحن الجوي، مرونة واضحة لكن بنموذج مختلف
رغم التحديات العديدة، أظهر قطاع الشحن الجوي قدرة أعلى على الصمود خلال 2025 مدفوعًا بنمو التجارة الإلكترونية العابرة للحدود، لكن هذه القوة بدأت تواجه اختبارات حقيقية مع التغييرات في السياسة التجارية الأمريكية، وعلى رأسها تعليق قاعدة “الحد الأدنى” للشحنات منخفضة القيمة.
هذا القرار غير بشكل جذري اقتصاديات التجارة الإلكترونية، وأجبر الشركات على إعادة التفكير في نموذج الشحن المباشر من آسيا إلى الولايات المتحدة، فالنتيجة كانت تباطؤًا في بعض المسارات التقليدية يقابله بحث متزايد عن حلول توزيع إقليمية أقرب للأسواق النهائية.
الأسعار والطاقة الاستيعابية في الشحن الجوي
مع عودة سعة طائرات الركاب إلى السوق، ارتفعت الطاقة الاستيعابية المتاحة، لكن الأسعار ظلت مستقرة نسبيًا، والسبب أن الطلب على الشحنات السريعة والحساسة للوقت لايزال موجود، خاصةً مع استمرار مشاكل الموثوقية في الشحن البحري.
رغم ذلك، بدأت تظهر ضغوط واضحة على العوائد، ما يشير إلى أن الشحن الجوي قد يدخل مرحلة نمو أهدأ، يكون بها التركيز على الكفاءة وإدارة التكاليف بدلًا من التوسع السريع.
الاستدامة والتحول الرقمي، من اختيار إلى ضرورة
في 2025، خرجت الاستدامة والتحول الرقمي من إطار التحسين إلى دائرة لضرورة، فالتشريعات البيئية مثل تسعير الكربون، حولت الانبعاثات إلى تكلفة مباشرة تؤثر على قرارات الشحن والمسارات المختارة.
في الوقت نفسه، دفعت التقلبات المتكررة الشركات إلى الاستثمار في منصات رقمية توفر رؤية شاملة لسلاسل الإمداد، وقدرات تحليل وتنبؤ تساعد على التعامل مع الاضطرابات قبل ما تتحول لأزمات تشغيلية.
من المرونة إلى مقاومة الهشاشة
الدرس الأكبر الذي خرج به القطاع من 2025 هو أن الاضطراب أصبح الوضع الطبيعي الجديد، لذلك تطور الهدف الاستراتيجي من مجرد المرونة إلى بناء سلاسل إمداد، مضادة للهشاشة، وقادرة على التكيف السريع، بل والاستفادة من التقلبات، مما يتطلب تنويع الموردين والمسارات، وتعزيز الشراكات طويلة الأجل، والاستعانة بشركاء لوجستيين لديهم قدرة تحليلية واستراتيجية، وليس قدرة تشغيلية فقط.
يمكن اعتبارعام 2025 سنة إعادة ضبط شاملة لقطاع اللوجستيات العالمي، فلم يكن عامًا للتعافي الكامل أو عامًا لانهيار السوق، لكنه كان مرحلة كشف واضحة ومع بداية عام 2026، اتضح أن النجاح لن يكون من نصيب من يبحث عن أقل سعر فقط، بل من يمتلك رؤية أوسع، وبيانات أدق وسلاسل إمداد مصممة للتعامل مع عالم سريع التغير، تحكمه السياسة بقدر ما تحكمه الاقتصاديات.
اقرأ أيضًا:-
الخدمات اللوجستية في مصر 2026، شركات كبرى تتوسع وتحول القطاع لمركز إقليمي متكامل

Short Url
من التحديث العسكري إلى الابتكار الدفاعي.. مستقبل أنظمة الحماية النشطة في المملكة
29 يناير 2026 02:00 م
بعد عشر سنوات من اتفاقية باريس.. التقدم أبطأ من الوصول إلى مسار 1.5 درجة مئوية
29 يناير 2026 12:00 م
من مكافحة الفقر إلى الشمول المالي، التمويل متناهي الصغر محرك أساسي لتحقيق رؤية مصر 2030
28 يناير 2026 04:21 م
أكثر الكلمات انتشاراً